يـوسـف وهـبـي
ليس ابتكاراً القول إنّ العالم منقسم إلى مناطق نفوذ، وكل قوّة كبرى تمنح نفسها حقّ الحماية داخل مجالها، وتُجرّم خصومها عندما يفعلون الشيء نفسه.
هذا هو جوهر عقائد الهيمنة منذ مبدأ مونرو الذي فصل بين العالمين القديم والجديد ومنع التدخل الأوروبي في نصف الكرة الغربي.
في السياسة الدولية، غالباً ما يأتي مصطلح الهيمنة تحت مسمّى مبدأ أو عقيدة أو مسؤولية.
لكن الجوهر يبقى ثابتاً، وهو أن «من يملك القوة يحدّد سقف سيادة الآخرين».
وهذا يوضح لماذا لم يُعامل الشرق الأوسط يوماً على أنه منطقة مستقلة...
بل مركز نفوذ مفتوح، يخدم مصالح القوى الكبرى التي ورّدته بقالب جاهز.
في القرن التاسع عشر، أعلن الرئيس الأميركي جيمس مونرو (1817 – 1825) مبدأه الشهير أن «لا عودة للاستعمار الأوروبي إلى الأميركيتين».
في ظاهره، كان إعلان حماية استقلال الدول الناشئة في القارة الأميركية. لكن حقيقته أنّ «هذه المنطقة لنا، ولا نتشاركها مع أحد».
ذلك المبدأ أعاد إحياء فكرة الهيمنة بحلة جديدة. إذ دخل العالم مرحلة تقسيم النفوذ بديلاً من الاستعمار الكلاسيكي.
وهكذا عرفت دول الشرق الأوسط لاحقاً نسخاً مختلفة من هذا الاستعمار المُبطّن، من دون أن تُمنح ترف الرفض.
في ذروة الحرب الباردة، انتقلت الفكرة إلى مستوى أشد صراحة.
إذ قدّم الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور (1953 – 1961) مبدأه للشرق الأوسط، وهو أن «التدخل مسموح، بل واجب، إذا وُجِد خطر يهدد الاستقرار».
فصار الحديث عن الأمن لا الاستعمار أو النفوذ. ونتيجة ذلك كانت أن دول المنطقة أصبحت خاضعة لمعادلة مفادها أن قرارها الداخلي مرتبط بتوازنات خارجية.
لبنان عرف هذا باكراً، حين دخلت القوات الأميركية بيروت عام 1958 تحت ذريعة منع الانهيار.
في صورة مشابهة، وضع رئيس الاتحاد السوفياتي ليونيد بريجنيف (1964- 1982) مبدأ
وهو «أي دولة اشتراكية تنحرف عن المسار الصحيح يحق للاتحاد السوفياتي التدخل لإعادتها إليه».
ذلك لم يُلغِ السيادة، لكنها أصبحت مشروطة بالأيديولوجيا.
صحيح أن الشرق الأوسط لم يخضع رسمياً لمبدأ بريجنيف، ولم يُربط بعقيدة مكتوبة تُقيّد سيادة دوله
لكنه عاش عمليّاً منطقاً مشابهاً، بسيادة مقبولة لا تُربك توازنات القوى، ولا تُغيّر الموقع الجيوسياسي المرسوم.
هنا لم تكن العقيدة قيداً، بل استقرار كما تُعرّفه القوى الكبرى. والنتيجة واحدة: استقلال شكلي، وقرار إستراتيجي محدود، وسيادة قابلة للتصحيح إن خرجت عن المسار.
وفي القرن الحادي والعشرين لبست الوصاية لباساً أكثر نعومة. فظهر مبدأ «مسؤولية الحماية» من تحت عباءة الأمم المتحدة...
على قاعدة أنه في حال «عجزت دولة عن حماية شعبها من الجرائم الكبرى، يحق للمجتمع الدولي التدخل».
للمرة الأولى، لم يعد الأمن أو العقيدة الذريعة، بل الإنسان. لكن المشكلة لم تكن في القيمة الأخلاقية.
إنما في طريقة استخدامها، من تدخلات سريعة هنا، إلى صمت طويل هناك.
وهكذا تحوّلت الإنسانية إلى أداة سياسية، تُستخدم حيث تفيد، وتُهمَل حيث تُربك الحسابات.
حين تكتمل منظومة الوصاية، يصبح الرفض استثناء، وتتحوّل السيادة الكاملة إلى فعل تحدٍّ.
في هذا السياق، كانت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 أول اختبار لإمكان كسر الستاتيكو الذي تحرسه هذه المبادئ.
لم يكن العداء الدولي الواسع لهذه الثورة ناتجاً من تبدّل نظام حكم فقط، بل من كسر عميق لقواعد اللعبة الدولية.
فإيران قبل ثورتها كانت ركناً أساسياً في منظومة الاستقرار التي صاغتها القوى الكبرى، بوصفها دولة وظيفية، تضبط إيقاع الخليج، وتحفظ التوازن بين المعسكرين.
حين أطاحت الثورة هذا الدور، لم تخرج إيران من تحالف إلى آخر، بل خرجت من إطار السيادة المشروطة برمّته.
ورفضت أن تكون أداة توازن، أو ساحة نفوذ، أو دولة تُقاس شرعيتها بمدى التزامها السقف المرسوم لها.
هنا التقت مصالح متناقضة ضدها؛ فالولايات المتحدة رأت في الثورة خسارة إستراتيجية.
والاتحاد السوفياتي خاف من نموذج غير قابل للاحتواء الأيديولوجي
وأوروبا خشيت اهتزاز الاستقرار، فيما رأت أنظمة الإقليم في النموذج الجديد تهديداً وجودياً.
هذا الاصطفاف غير المعلن لم يكن ضد إيران الدولة، ولكن ضد سابقة سياسية تقول إن كسر الستاتيكو ممكن.
ومن نفس السياق، وُلد منطق المقاومة في لبنان. فهي في أصل فكرتها لم تأتِ حباً بالسلاح, بل رفضاً لأن يُدار البلد بمنطق الهيمنة.
فلبنان منذ تأسيسه دولة صغيرة، هشّة بنيوياً، موضوعة دائماً عند تقاطع مصالح كبرى.
لذا، تبرز المقاومة هنا كسؤال سياسي لا كظاهرة عسكرية فقط:
هل هي تعبير عن استعادة السيادة، أم حالة استثنائية تفرضها بيئة الوصاية المستدامة؟
للإجابة، لا بد من تفكيك شرعية المقاومة عبر ثلاثة مبادئ كبرى:
- الأول، يتعلق بالشرعية القانونية، إذ حين تُنتهك السيادة يصبح الردّ حقاً.
وفي النظام الدولي الحديث، تمنع الشرعية القانونية استخدام القوة ضد سلامة أراضي دولة أو استقلالها السياسي.
لكن في لبنان، يصبح السؤال القانوني مباشراً: ماذا تفعل دولة لا تستطيع ردع الاعتداءات، ولا تملك أدوات فرض احترام سيادتها...
هنا تكون المقاومة ردّاً على خرق سابق للقانون، لا خرقاً جديداً له.
فيكون منطقها الدفاعي فعلاً ناتجاً من تجميد السيادة، لا بديلاً دائماً من الدولة، بل أداة «مؤقتة» لحمايتها.
فشرعيتها القانونية نتيجة انهيار الضمانات القانونية الدولية.
- المبدأ الثاني يتعلق بحق تقرير المصير في مواجهة المجال الحيوي.
إذ تشترك عقائد الهيمنة في فكرة أن الدول الصغيرة لا تُمنح استقلالاً كاملاً.
بل استقلالاً وظيفياً ما دام لا يربك توازنات القوى. وفي الشرق الأوسط، تُرجم هذا المنطق بتغييب القرارات السيادية، مع إبقاء هامش لبعض الدول.
هنا، تتحوّل المقاومة إلى فعل تحرري، لا لحملها السلاح، بل لأنها ترفض أن تكون مجالاً حيوياً لأحد، أو ملفاً قابلاً للإدارة من الخارج.
وشرعيتها لا تُقاس فقط بالعدو الذي تواجهه، إنما بالغاية التي تسعى إليها.
فهل تهدف إلى تحرير القرار الوطني، أم تكتفي بإدارة صراع تحت السقف المفروض؟
- أما المبدأ الثالث، فيتصل بالشرعية الأخلاقية السياسية. وهو المبدأ الأخطر، والأشد حساسية.
لأن حركات مقاومة كثيرة في العالم خسرت شرعيتها، كونها أطالت زمن الاستثناء أو تحوّلت من أداة حماية إلى سلطة أمر واقع.
فالشرعية الأخلاقية للمقاومة تقوم على معايير دقيقة، منها:
1. الدفاعية: أن يبقى السلاح موجهاً لردّ العدوان فقط.
2. حماية المدنيين: عبر تقليل تكلفة الصراع على المجتمع قدر الإمكان.
3. الأفق السياسي: أن تفتح المقاومة طريقاً نحو دولة أقوى، لا أن تحلّ مكانها.
وهذا ما تفعله المقاومة في لبنان لأنه في اللحظة التي تُصبح فيها المقاومة بديلاً دائماً من الدولة، تبدأ شرعيتها في التراجع، حتى لو بقيت قضيتها عادلة.
ومن هذا المنطلق تتباين الآراء بشأن شرعية المقاومة، بين من يتهمها بتأدية دور يفوق حدودها، وبين من يراها تسد فراغاً خلقته الدولة على مدى عقود.
ليكون التساؤل الحقيقي: هل الدولة عاجزة لأن المقاومة موجودة؟
أم المقاومة موجودة بسبب غياب الدولة واندثار دورها من جراء الارتهان للخارج وهمينة القوى العظمى على مفاصل القرار فيها؟